فخر الدين الرازي
83
شرح الفخر الرازى على الاشارات
الاخلاق كالقطرة في البحر فكيف يقال الغالب أهل السلامة واعلم أن جواب هذا السؤال سيأتي في الفصل الذي بعد ذلك ( تنبيه [ في تأييد أن الشقاء الأبدية يختص بالطرف الأخس ] لا يقعن عندك أن السعادة في الآخرة نوع واحد ولا يقعن عندك انها لا تنال أصلا الا بالاستكمال في العلم وان كان ذلك يجعل نوعها نوعا أشرف ولا يقعن عندك أن تفاريق الخطايا باتكة لعصمة النجاة بل انما يهلك الهلاك السرمد ضرب من الجهل فإنما يعرض للعذاب المحدود ضرب من الرذيلة وحد منه وذلك في أقل أشخاص الناس ولا تصغ إلى من يجعل النجاة وقفا على عدد ومصروفة عن أهل الجهل والخطايا صرفا إلى الأبد واستوسع رحمة اللّه وستسمع لهذا فضل بيان ) التفسير لما ذكر أن الوسط في العقائد والاخلاق أعنى النفوس الخالية منهما هو الغالب وحينئذ ربما خطر ببال الانسان أن سبب السعادة الأخروية ليس الا العلوم فالنفوس الخالية عنها لا يكون لها شيء من السعادات فيكون الغالب على النفوس أن تكون معطلة لا يكون بين وجودها وعدمها فرق وأيضا فالغالب على الخلق الاخلاق الرديئة وذلك سبب العقاب فيكون الشر غالبا على ما قررناه في الفصل المتقدم وقد ذكر في هذا الفصل ما يدفع هذه الاشكالات فقال لا يقعن عندك أن السعادة الأخروية نوع واحد ولا يقعن عندك أنها لا تنال أصلا الا بالاستكمال في العلم والمراد منه أنه لا ينبغي أن يجزم الانسان بان السعادة في الآخرة نوع واحد وانه لا يمكن اكتساب ذلك النوع الا بالعلم وعلى هذا لا يلزم من خلو بعض النفوس عن العلم خلوها عن السعادات فهذا هو الجواب عن السؤال الأول وأما قوله ولا يقعن عندك أن تفاريق الخطايا باتكة لعصمة النجاة بل انما يهلك الهلاك السرمد ضرب من الجهل وانما يعرض للعذاب المحدود ضرب من الرذيلة وحد منه وذلك في أقل أشخاص الناس فالمراد منه الجواب عن السؤال الثاني وتقريره من وجهين أحدهما أن الذي يقتضى العذاب المخلد هو العقائد الرديئة فاما الاخلاق الرديئة فإنها توجب العذاب مدة ثم يزول العذاب بعد ذلك ويتخلص تلك النفوس إلى سعة من رحمة اللّه تعالى فإذا تملنا ما وصل إليها من العذاب المنقطع الذي يحصل أولا بالسعادة الأبدية الحاصلة ثانيا كانت الغلبة للسعادة وثانيهما أنه ليس كل خلق ردئ فإنه يكون موجبا للعذاب بل الخلق الردىء الموجب للعذاب هو الخلق المتمكن في النفس تمكنا بالغا ولا شك أن ذلك ليس بغالب بل نادر قال صاحب الصحاح بتكه أي قطعه فقوله باتكة لعصمة النجاة أي قاطعة لها وأما قوله ولا تصغ إلى من يجعل النجاة وقفا على عدد ومصروفة عن أهل الجهل والخطايا صرفا إلى الأبد واستوسع رحمة اللّه فالمراد منه أن من اعتقد أن الناجي ليس الا من عرف الحق بالبراهين وكان نقيا عن الآثام والأوزار كما يقوله المعتزلة يلزمه أن يكون أهل النجاة يوم القيامة في غاية القلة لكن ليس كذلك بل النفوس الخالية عن العقائد الباطلة من أصحاب السعادة والنفوس التي باشرت الآثام سيخلصون أيضا إلى السعادة وحينئذ تكون الغلبة لأهل النجاة ( وهم وتنبيه [ في أن إبراء شئ هو في أصل وضعه مما ليس يمكن أن يغلب فيه الخير ] ولعلك تقول هلا أمكن عن تبرأ القسم الثاني عن لحوق الشر فيكون جوابك أنه لو برئ عن أن يلحقه ذلك لكان شيأ غير هذا القسم وكان القسم الأول وقد